This post is also available in: English (الإنجليزية)

سير ذاتية مروية حول الحرب الكبرى وتكوّن الشّرق الأوسط الجديد

في الرّابع عشر من أيلول/سبتمبر، قدّم د. سليم تماري، مُحرّر حوليّات القدس، وكبير الباحثين المشاركين في مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة، أولى سلسلة محاضرات بيسان. يُعدّ د. تماري “عالم الاجتماع التّاريخيّ الفلسطينيّ الأبرز” في المرحلة الرّاهنة كما وصفه رشيد الخالدي، أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدّراسات العربيّة في جامعة كولومبيا. كما أنّه يزخر بسجلّ يتميّز بخبرةٍ بحثيّة منقطعة النّظير في مضمار المذكّرات الشّخصيّة، والأراشيف الرّسميّة، والصّكوك الحكوميّة، والمقالات الصّحفيّة، والوثائق المغمورة تُغطِّي مدّة طويلة من الزّمن، قدّم د. تماري نبذة مُذهلة عن الحركات السّياسيّة والاجتماعيّة في فلسطين وجوارِها قُبيل وبعد الحرب العالميّة الأوّلى. بمنظارٍ يقرع أكثر من قرن على الحرب، أضاء د. تماري على ما أسفرت عنه من تقلّبات وتحولات اجتماعيّة كُبرى في طرائق نظر ومقاربة أهالي هذه المنطقة إلى أنفسهم والعالم من حولهم—من عاصمة الدّولة العثمانيّة في إستانبول إلى سائر ولاياتها العربيّة.

مُستعينًا بطيفٍ من الصّور الفوتوغرافيّة الأرشيفيّة الأخّاذة، روى د. تماري كيف ألقت الحرب وما تلاها من دمارٍ بظلالها على السّير الذّاتيّة لكتّاب وشخصيّات عامّة معروفة، نحو محمد كرد علي، وخليل السّكاكيني، ونجيب نصّار، تمثيلًا لا حصرًا، عدا عن العرب الّذين جُنِّدوا في الجّيش العثماني، أمثال محمد فصيح، وعارف شحادة، وإحسان التّرجمان.

يُمكن مُشاهدة تسجيل المحاضرة عبر هذا الرّابط، كما ستُتاح شرائح العرض التّقديمي الخاصّ بالمحاضرة على الصّفحة الإلكترونيّة الخاصّة بالسّلسلة على منصّة ويبنار.

 خلاصة:

إذا نظرنا إلى الحرب العالمية الأولى على جبهتها الشّرقيّة بعد مرور قرن على أحداثها، نجد أنّها أدّت إلى تحوّلات كبرى في الطريقة التي تتمثّل بها الشّعوب أنفسها وتتمثّل العالم في منطقة تمتدّ من العاصمة العثمانية إسطنبول إلى الأقاليم العربيّة التّابعة لها. وما أعتزم بيانه في هذه المحاضرة هو كيف انعكست الحرب والمعارك في سِيَرٍ ذاتيّة كتبها جنود شاركوا فيها ومدنيون عاشوا ويلاتها وكيف غيّرت الحرب حياتهم وأعادت تشكيل هويّتهم وانتماءاتهم خلالها وفي الفترة التي تلتها.

وكان من شدّة الآثار المدمّرة التيّ خلّفتها الحرب أن أسفرت، حسب التقارير المعاصرة لها، عن مقتل سدس أهالي سوريا الكبرى ـــ وهي من أعلى نسب الضّحايا المسجّلة على كلّ الجبهات في تلك الفترة. وسوف أعرض في حديثي تحليلا لذلك التّحول الكبير من خلال أحداث حياة ثلاثة مدنيين وثلاثة جنود، تلقي الضّوء على الانتقال من المرحلة العثمانيّة إلى  مرحلة القوميّتين العربيّة والتّركيّة في الشّرق الأوسط الجديد. ومن بين أصحاب تلك السّير خليل السّكاكيني الذي كتب مذكّرات خلال سنوات الحرب في مدينة القدس؛ وقد كانت روايته للأحداث مفعمة بالحيويّة بفضل الصّورة الدّقيقة التي رسمها لمظاهر الدّمار الذي لحق المدينة في العامين 1915 و 1916 وقد كانا فترة مجاعة. أمّا ذكريات محمد كرد علي فقد تضمّنت مرحلة نشاطه كصحفيّ أو كبوق دعاية لتجاوزات جمال باشا وأنور باشا في سوريا وفلسطين، حسب بعض النّقّاد. ويمثّل كتاب “حياة مفتاح الغسّاني” (1921)  أهمّ نصّ سرديّ عربيّ في علاقة بالحرب الكبرى، وهو للكاتب والصّحفي الفلسطيني نجيب نصّار الذي كادت قصّته أن تكون شهادة كاملة في شكل سيرة ذاتيّة عن الحرب. وقد روى فيها كيف قضى العامين 1916 و 1917 مختفيا بين مضارب البدو في وادي الأردن  تجنّبا لملاحقات رجال الدّرك الأتراك.  

هذه المحاضرة تحظى بدعم من مركز بيسان للبحوث والإنماء ومن علماء من أجل فلسطين (Scientists for Palestine) ومن مركز الدّراسات الفلسطينيّة بجامعة كولمبيا (Center for Palestinian Studies of Columbia University).