الثلاثاء, أكتوبر 20, 2020

الكورونا تكشف الفجوة في الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين

الرئيسية آراء في الراهن الكورونا تكشف الفجوة في الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين

” في  ظروف الإغلاق العام كإجراء وقائي في مواجهة فيروس كورونا، يواجه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، بمن فيهم لاجئو فلسطين من سوريا، معاناة مضاعفة تزيد من مأساتهم. الأونروا عاجزة وتتذرع بأزمتها المالية المزمنة، والحكومة اللبنانية تتنصل من أية مسؤولية، والقوى السياسية الفلسطينية تعنى بذاتها وعناصرها والمقربين منهم، والسفارة الفلسطينية جزء من نظام المحسوبية، والقوى اليمينة اللبنانية ترى في الكورونا فرصة لمهاجمة الوجود الفلسطيني… والغالبية من لاجئي المخيمات وتجمعات الفقر ليس لهم إلا الصمت كي لا يفسدون حسن العلاقات وكي لا يتهموا بتنفيذ أجندات خارجية…”

لاجئة فلسطينية من سوريا مقيمة حاليا في مخيم شاتيلا، اقتباس من مقابلة تلفونية مسجلة مع الكاتب، 15 نيسان 2020 .  

فئة اللاجئين تُصنّف عالمياً باعتبارها من أشدّ الفئات منتهكة الحقوق، وبالتالي من أكثرها حاجة للحماية. والحماية المقررة للّاجئين هي التزام قانوني ومسؤولية دولية يُفترض أن تعوّض فقدان الحماية في البلد الأصل. وبحكم اختلاف قدرات الدول في توفير هذه الحماية، فإنه من المقرر أن الحد الأدنى الذي لا غنى عنه في كل الأحوال هو ضمان الحقوق الأساسية اللازمة لصون الكرامة الإنسانية. وهنا لا بد من التأكيد أن الحاجة لضمان هذا الحد الأدنى تصبح أكثر إلحاحاً في ظل الظروف الاستثنائية بما يوجب تعاون الدول مجتمعة والمنظمات المتخصصة.

وعليه، يكون من الضرورة بمكان إلقاء نظرة سريعة على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في ظل جائحة كورونا، الأمر الذي يستدعي بدوره فحص مدى وفاء الفاعلين المكلفين بدورهم وتحديداً: الأونروا، والدول المضيفة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والمجتمع الدولي، والمنظمات المتخصصة.

 بالتدقيق في النداء العاجل الذي أطلقته وكالة الأونروا لمعالجة تداعيات الجائحة على اللاجئين الفلسطينيين،[1] يتبين أن أولويات المعالجة الرئيسة احتياطية – أولية وإدارية في جوهرها. ورغم ضرورة هذه الإجراءات، إلا أنها ليست خدمية مباشرة، ولا تفي بمتطلبات الرعاية الصحية، لمواجهة الجائحة.

تعاني الأونروا من نقص مزمن في موازنتها بسبب الحملة الإسرائيلية-الأميركية المتواصلة عليها منذ سنوات، إلا أن ذلك لا يعفيها من مسؤولياتها. إن الحاجة لتوفير معدات طبية، وأماكن عزل لائقة، ومعدات للفحص والتعقيم، والأدوية، والمستشفيات والعيادات المؤهلة؛ ومعونات الإغاثة تتطلب تدخلاً سريعاً ومنظماً وشاملاً.

 “أنا لاجئ فلسطيني من العراق أقيم حالياً في مركز احتجاز احتياطي في اليونان ولا يسمح لنا بمغادرة المدينة منذ العام 2015. أتلقى معونة شهرية تبلغ 700 يورو لأعيل نفسي وزوجتي وأطفالنا الثلاث. صحيح أنني لا أدفع مقابل السكن ولا فواتير خدمات الكهرباء والماء، ولكن المبلغ لا يكفينا للطعام. ما قبل كورنا كنت أعمل بشكل غير قانوني بما يتاح لي مقابل يوميات تافهة لنستطيع العيش كبشر… اليوم لا عمل ولا يوميات ولا صدقات حتى… زودونا بإرشادات الوقاية وتركونا نواجه كورنا وحدنا… كلهم تركونا، الحكومة، ومفوضية اللاجئين، والسفارة الفلسطينية، وكل العالم تركونا وحدنا لنواجه كورونا التي تعجز دول عظمى عن مواجهتها… ذلونا… حسبي الله ونعيم الوكيل”.

لاجئ فلسطيني مهجر من العراق منذ العام 2013، وصل اليونان عام 2015. اقتباس من مقابلة تلفونية مسجلة مع الكاتب، 15 نيسان 2020 .  

 هناك أكثر من 71 مليون لاجئ ومهجر داخلياً في العالم[2]، ثلاثة أرباعهم منتشرون في الدول النامية ذات الإمكانيات المحدودة جداً خصوصاً في المجالين: الاقتصادي والصحي. 10% من هؤلاء هم من الفلسطينيين الذين يقع غالبيتهم (5.5 مليون تقريباً) ضمن مسؤولية الأونروا وحدها، الأمر الذي يبقي التدخلات الإنسانية مرتبطة بخطط الاستجابة الوطنية وإمكانيات الأونروا الشحيحة.

مفوضية شؤون اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية العالمية من أهم الهيئات الدولية التي أطلقت خططاً لمواجهة حالة الطوارئ وشملت فيها اللاجئين والمهجرين داخلياً من ضمن الفئات المستهدفة. ورغم أنها تتمتع بإمكانيات لا بأس بها، خصوصاً منظمة الأغذية العالمية، إلا أنها جميعا أطلقت نداءات للتبرعات لتمكينها من الاستجابة لمواجهة التداعيات. في السياق الفلسطيني، قدمت هذه الهيئات بعض المساعدات للسلطة الفلسطينية لا تتجاوز قيمتها بضعة ملايين، ولكنها على مستوى لاجئي لبنان لم تتجاوز تدخلاتها ما قدمته منظمة الأغذية من توزيع حصص غذائية لألفين وخمسمائة أسرة فلسطينية. مع العلم أن هذه الهيئات أسست خططها للتدخل بالتعاون مع الحكومات للعمل ضمن خطط الاستجابة الوطنية. وعليه، فإن أعمالها إلى حد بعيد تبقى رهناً بمدى حرص الحكومات على شمل اللاجئين في خططها الوطنية.

الدول المضيفة للاجئين، وبصرف النظر عما يمكن أن تقوم به أو تقدمه الهيئات الدولية، مكلفة برعاية اللاجئين وتأمين الحد الأدنى من حقوقهم، ولكن هذا يبقى محض أمنيات. لهذا السبب، ركز نداء مفوضية حقوق الإنسان المشترك مع الهيئات الدولية الأخرى حول عدم جواز التمييز ضد اللاجئين  واستثناءهم من خطط الطوارئ الوطنية[3]. فيما يتصل بمنطقتنا، حثّت منظمة الصحة العالمية الحكومة السورية لزيادة تدخلاتها الإنسانية، وأثنت في تقريرها المتعلق بسوريا على الحكومة لأنها ساوت في إجراءاتها الوقائية والاحترازية المتخذة ما بين المواطنين واللاجئين. في ذات الوقت، لم يتم الإشارة إلى انعدام تدخلات الحكومة اللبنانية لمصلحة اللاجئين؛ حيث يوجد قرابة مليون لاجئ سوري، منهم ما يقارب ثلاثين ألف فلسطيني في لبنان؛ ذلك أن الحكومة نفسها بحاجة إلى مساعدات للوفاء بالتزاماتها حيال مواطنيها، ناهيك عن سياستها المعهودة المتمثلة باستثناء اللاجئين الفلسطينيين من أية خدمات.

فيما يخص أداء السلطة الفلسطينية – كعادتها وبحدود ما يسمح به دورها الوظيفي – فقد تبنت خطاباً ووضعت خططاً وفق تصورها المجزوء لفلسطين والفلسطينيين اتسمت بالتركيز على مراكز مدن الضفة (وغزة إلى حد ما) وغياب استراتيجية واضحة في التعامل مع اللاجئين والشتات. لذا فقد اقتصر ما قدمته على مساهمات رمزية -رفع عتب- لم تخلُ من المحسوبية، بالذات في لبنان، كما تفيد الشهادات.

“… تم توزيع بعض المساعدات في مخيم شاتيلا، ورغم انها غير كافية، إلا أن المشكلة الأكبر هي في أن المحسوبية حرمت الكثيرين ممن هم بحاجة ماسة لهذه المساعدات… التنظيمات والجماعات تقتطع نسباً من هذه المساعدات لتوزعها على عناصرها وأقربائهم مقابل السماح بتوزيعها في مناطق سيطرتها التي هي تشبه مربعات أمنية داخل المخيمات…”.

س. م، لاجئة فلسطينية، ٣٢ عاما، مقيمة في تجمع للاجئين الفلسطينيين من سوريا في منطقة صيدا. اقتباس من مقابلة تلفونية  مسجلة مع الكاتب، 14 نيسان 2020 .  

كان قيام السطلة الفلسطينية بتأسيس صندوق “وقفة عزّ” خطوة في الاتجاه الصحيح إلا أن أوجه الصرف المحددة للصندوق لا تشمل اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، رغم أن عائدات الصندوق تعتمد إلى حد كبير على تبرعات ومساهمات اللاجئين في دول الشتات البعيد. إن تخصيص نسبة من الصندوق لتغطية احتياجات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا غاية في الأهمية، ليس لسد الاحتياجات الملحة وحسب، بل لأن خطة الاستجابة الوطنية يجب أن تتجاوز نطاق عمل السلطة الفلسطينية.  

بالمجمل، يمكن القول إن الجائحة ذكرتنا بعقم النظام الدولي، وأثارت الكثير من الأسئلة حول دور الدولة الوطنية، خصوصاً وأن الخطط الوطنية للاستجابة أظهرت قصوراً وظيفياً يمس الحقوق الأساسية في مجالات الرعاية الصحية والاقتصادية والاجتماعية. هذا القصور الدولي والقصور في خطط الاستجابة الوطنية يعكس نفسه على الدور الوظيفي للوكالات الدولية من جهة، ويمس أكثر الفئات الاجتماعية فقراً. وتظهر المعطيات والنداءات المستعجلة والطارئة أن اللاجئين والمهجرين داخلياً يقعون في أسفل سلم أولويات الدول والنظام الدولي، وأن الهيئات الدولية المكلفة بحماية اللاجئين غير قادرة لأنها تعتمد على مساعدات الدول المنشغلة في أمورها الداخلية. أما على المستوى الفلسطيني، فإن تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية ومحدودية دور السلطة الفلسطينية بحكم شح الإمكانيات والاعتماد على التبرعات، وتركيز الخطة الوطنية للاستجابة على أوضاع الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، يترك مئات الآلاف من اللاجئين عرضة لمزيد من التهميش والمعاناة. وعليه، فإن معاناة اللاجئين المضاعفة في ظل جائحة كورونا تستدعي معالجة على مستويين: الأول يتمثل في الحاجة إلى خطة تدخل طارئة ممنهجة وشاملة يسهم فيها كل الأطراف، والثاني إعادة النظر في سائر المنظومة الدولية في التعامل مع حالات اللجوء وذلك كجزء من تقييم دور الدولة ودور المجتمع الدولي.


[1] انظر: نداء الأونروا العاجل الخاص بالاحتياجات الفورية للاستجابة لفيروس كوفيد- 19، متوفر على الرابط:

https://www.unrwa.org/sites/default/files/content/resources/covid-19_flash_appeal_ar.pdf

تم الاطلاع عليه في 21 نيسان 2020.

[2]  انظر: أرقام ومعلومات، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، متوفر على الرابط:

https://www.unhcr.org/ar/4be7cc27207.html

تم الاطلاع عليه في 21 نيسان 2020. 

[3]  انظر البيان المشترك لكل من مفوضية حقوق الإنسان، مفوضية شؤون اللاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية، منظمة الصحة العالمية على الرابط:

https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/HRC/Pages/NewsDetail.aspx?NewsID=25762&LangID=A

آخر اطلاع 21 نيسان  2020.


 

 

 

 

 

 

 

نضال العزة
قانوني، ومدير مركز بديل (المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين)

آخر المقالات

ثورة 23 يوليو: نقطة مفصلية في التاريخ العربي

تصادف اليوم ذكرى مرور68 عاماً على ثورة 23 يوليو في مصر، كما صادف في يوم 14 يوليو ذكرى ثورة العراق على الحكم الملكي فيه...

غسان كنفاني: حين تنتمي الثقافة لوجع المقهورين

يصادف اليوم الذكرى الثامنة والأربعين لاستشهاد الكاتب والمثقف الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني. فجّر العدو غسان كنفاني في ضاحية الحازمية ببيروت يوم الثامن من تموز...

الوصاية الأردنية على الأقصى: نحو تطبيق “صفقة القرن”

 الكاتبة: باحثة في مؤسسة الجذور الشعبية المقدسية  في 20 تموز عام 1951، قَتَل المناضل في الجهاد المقدس، مصطفى شكري عشّو، الملك الأردني عبد الله الأول...

الثلاثاء الحمراء… جمرة أطلقت شرارة ثورة 1936

يصادف اليوم الثلاثاء (17/06/2020) الذكرى التسعون لإعدام أبطال ثورة البراق محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي. اندلعت أحداث ثورة البراق في 16/08/1929 إثر التظاهرة والصلاة...