موقف مركز بيسان للبحوث والانماء من قانون الضمان الاجتماعي وتداعياته

مقدمة:

ليست كل شبكات الحماية الاجتماعية القائمة في دول العالم إلا نتاج لنضال الحركات الشعبية المنظمة، حيث انتزعت هذه الحقوق انتزاعا وبالنضال، ليتم بعدها تضمينها في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولتقوم الدول بتبني هذا العهد كليا أو جزئيا لا حسب مقدرتها فقط وإنما حسب موقفها من هذه الحقوق، وحسب مستوى تطور النضال الشعبي فيها.

إن قوانين التأمين الصحي والتأمين ضدّ البطالة وغيرها من القوانين التي تعرف بشبكة الأمان الاجتماعي، لم يكن يوما منّة من حكومة رأسمالية، وإنما جاء نتيجة نضالات حركة نقابية منظّمة وفاعلة، وأحزاب سياسية تمتلك رؤية اجتماعية اقتصادية تقدمية لها بنيتها الفاعلة والمنتشرة في أوساط الجماهير أو متغلغلة في النقابات والحركات الشعبية، ولذلك فإن القوانين التي تهبط بالمظلة من حكومات أطلقت العنان للسوق وللنيوليبرالية الاقتصادية، لن تكون بريئة؛ وعليه فإن مطلب شبكة أمان اجتماعي شاملة وإلزامية لكل مواطن يبقى هو المطلب الاستراتيجي المركزي الذي يجب أن تجند له الجهود بالجملة وليس التعامل بالمفرق مع قوانين تصاغ أصلا لمصلحة الطبقة المهيمنة وفي خدمتها.

واقع نظامنا السياسي ومضمونه الاقتصادي:

إننا أولا نفتقر إلى مرجعية ذات شرعية شعبية عبر الانتخاب فكل المرجعيات السياسية انتهت صلاحياتها، وبالتالي يتم اللجوء إلى اصدار قرارات بقوانين هي في الغالب من صنع السلطة التنفيذية ولمصلحتها، وبالتالي نحن أمام نظام سياسي يعاني انقساماً واختلالاً في الشرعيات يلجأ إلى إصدار تشريعات دون وجود سلطة تشريعية فاعلة ومنتظمة الانعقاد، وعليه فقد شكّلت مجمل القرارات بقوانين ومنها قانون الضمان الاجتماعي أداة في يد السلطة التنفيذية التي تدير اقتصاداً ريعياً قائماً على الجباية والمنح والمعونات دون قاعدة إنتاجية ودون عدالة ضريبية.

إن النظام السياسي يعلن جهارا أن اقتصاد هذه الاراضي المحتلة وغير الحرة هو اقتصاد حرّ تحكمه قوانين السوق والعرض والطلب، وبالتالي فإن تدخل الحكومة في الجانب الاقتصادي هو إشرافي لا أكثر الأمر الذي عزّز من هيمنة اقتصاد الخدمات، والعقارات والصيرفة وأعطى ميّزات تحت شعار تشجيع الاستثمار للرأسمالية الطفيلية، مما زاد في نسبة البطالة، ووسع حزام الفقر، وغيب الأمان الاجتماعي، ونشر الفساد والتربّح غير المشروع والتلاعب بقوت المواطنين، واستغلال العمالة الرخيصة، وفي ضوء ذلك وسّعت الحكومة قاعدة المشمولين بالضرائب دون نظام تصاعدي، وسهّلت كل السبل أمام تعزيز الجباية من جيوب المواطنين الفارغة وعلى حساب لقمة عيش أبنائهم.

في ضوء هذا النظام فإن صدور قانون الضمان الاجتماعي بصيغته الحالية لا يشكل قرارا بريئا، سيّما وأن تداعياته كشفت مستوى التحايل الذي اكتنف محاولات تطبيقه.

وفي ظل غياب الرقابة والمشاركة الشعبية في صياغة وإدارة مؤسسة الضمان، التي من المفترض أن تتحقق عبر وجود مجلس تشريعي منتخب من الشعب يراقب ويسائل مؤسسة الضمان والحكومة الفلسطينية، وعبر وجود ممثلي النقابات المنتخبين الذين يسائلون من هيئاتهم العامة ويعودون لقواعدهم الشعبية قبل الإقرار بالقوانين والإجراءات، فإن الجماهير الفلسطينية تفقد أهم الضمانات للرقابة على المال العام.

وقد أثبتت التجربة انتقائية الحكومة في تطبيق القوانين الفلسطينية، حيث لم يطبق قانون الحد الأدنى للأجور على الرغم من سريانه منذ مطلع عام 2013، وقانون العمل الفلسطيني لا يزال غير مطبق ببنود نهاية الخدمة لما يقارب 75% من الموظفين بأجر، وبند الإجازات المرضية لِ 76% من العاملين بأجر حسب الجهاز المركزي للإحصاء، بل وحتى إنتشار المحسوبية إذ حسب الائتلاف من أجل النزاهة والمسائلة-أمان فإن 40 تعيينا في الوظائف العليا في السلطة الفلسطينية قد تمّ حتى آب 2018 دون إعلان عنها أو مراعاة لإجراءات النزاهة والشفافية والمساواة في التوظيف. مما يولد شكوكاً لدى الناس حول جديّة الحكومة في ضمان تنفيذ قانون الضمان الاجتماعي والرقابة على آلية تنفيذه.

حول قانون الضمان المطروح للتنفيذ

في قراءة للقرار بقانون نجد أنه:

  1. غير شامل لكل المواطنين العاملين خارج القطاع الحكومي، ولا يشمل المهنيين المستقلين والحرفيين أو المزارعين أو عمال المياومة، وهو بالتالي يتجاهل أو يقصي قطاعا كبيرا من القوة العاملة الفلسطينية.
  2.  إنه يقصي من الضمان العاملين ضمن الورش العائلية وهي السمة الغالبة على قطاع التشغيل الحرفي.
  3. إنه لا يشمل كل سلّة الأمان الاجتماعي كالتأمين الصحي والتأمين ضدّ البطالة، مع إدراك من وضع القانون لنسبة البطالة العالية. إذ تبلغ نسبة البطالة اليوم 32% حسب الجهاز المركزي للإحصاء.
  4. إن مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي ذو أغلبية من الحكومة أو من تراهم مؤيدين لها.
  5. إن التمثيل العمّالي في المؤسسة غير ديمقراطي ولا يستند لنقابات منتخبة ديمقراطيا.
  6.  إن نسبة العائد للعامل لن تتراوح إلا حول الحد الأدنى للأجور والتي هي دون خط الفقر المدقع.
  7. يحتاج العامل إلى الإيفاء بالتزاماته للصندوق بما يعادل 30 عاما كي يحصل على 60% من آخر راتب تقاضاه كمعاش تقاعدي.
  8.  لا وجود لأي إلزام باستثمار أموال صندوق الضمان الوطني في الوطن وفي قطاعاته الإنتاجية بالذات، وبالتالي فإن تحويله إلى صندوق استثماري وفق السوق الحرّ لن يستفيد منه الاقتصاد الوطني.

إنّ كل لوغاريتمات القانون وحساباته التفصيلية ما هي إلا محاولة لحرف النضال ضدّ هذا القانون المجحف من الجوهري والعام إلى الشكلي والتفصيلي. كما إنّ ترك كثير من قضايا التطبيق إلى اللوائح التنفيذية والتي هي مهمة السلطة التنفيذية ومجلس الوزراء بالذات  لن تكون محصلته سوى نفس محصلة النقاش حول القانون نفسه، بحيث بلع المواطن المنجل، وهو الآن يصيح عند التطبيق.

إنّ المعركة الجارية الآن حول اللوائح التنفيذية وتطبيقها، وبداية تنفيذ القانون بالزام الشركات والمؤسسات بتحويل أموالها الى صندوق الضمان الاجتماعي ورفض القطاع الخاص وموظفيه لهذا الأمر بناء على الخلاف حول مكافأة نهاية الخدمة يستدعي بالضرورة عدم الغرق بالتفاصيل وردّ القانون إلى مصدره ليعاد نقاشه مجتمعيا وتصويبه، وليس الغرق في متاهات ولوغاريتمات اللوائح التنفيذية، علما أن القطاع الخاص أثبت انه لا يراعي وضع مكافأة نهاية الخدمة لعامليه في صندوق خاص وإن مراقب الشركات في وزارة الاقتصاد ووزارة المالية لم يتابعا بشكل دقيق هذا الإجراء، وبالتالي فإن على القطاع الخاص أن يتحمل مسؤوليته في هذا المجال.

هذا مع تأكيدنا على أن مكافأة نهاية الخدمة هي حق يفرضه قانون العمل وليس بديلا عن الضمان الاجتماعي، وبالتالي فإن على موظفي القطاع الخاص أن ينتبهوا لشرك وضعهم فيه مشغّليهم برفض القانون في هذه المرحلة كيّما تسحب منهم حقوق أخرى.

 

موقفنا:

إننا ومن خلال قراءتنا العلمية لواقعنا الاقتصادي الاجتماعي، ومن خلال قراءة القانون ومتابعة الجدل الدائر حول لوائحه التنفيذية نطالب ب:

  1. إعادة القانون إلى مصدره وفتح حوار شعبي حوله بما يؤدي إلى شموله كل فئات العاملين وغير العاملين وشموله كافة القطاعات كالصحة والبطالة وغيرة، بحيث ينتهي هذا النقاش خلال ستة أشهر.
  2. تعليق كل النقاشات حول اللوائح التنفيذية حتى تتم مراجعة القانون والبت فيه.
  3.  الفصل التام بين مكافأة نهاية الخدمة والاشتراك في الضمان الاجتماعي فكل له مجاله وهو حق مستقل عن الآخر كما هو الحال في كثير من الدول التي تحترم حقوق مواطنيها.
  4.  الاستجابة لمطالب الحملة الوطنية لرفع الحد الأدنى للأجور، والعمل على وضع حد أقصى للأجور وبما يضمن توزيعا أعدل للثروة.
  5.  تطبيق المادة 12 من قانون العمل الفلسطيني التي تفرض على كل مشغّل أن يوافي مكتب العمل في محافظته بأسماء العاملين لديه وتفاصيل عملهم وأجرهم وفق نموذج خاص ورسمي وبذلك يحفظ للعمال حقوقهم.
  6. تبني الشفافية المطلقة في تعامل مؤسسة الضمان، فمن غير المعقول عدم نشر اللوائح التنفيذية حتى هذه اللحظة، ومن الطامة الكبرى أن يبقى نقاش مجلس الإدارة لمؤسسة الضمان خلف الأبواب المغلقة، فمن واجب مجلس الإدارة نشر محاضر اجتماعاته لجمهور العاملين كون قراراته تأثر على مصائرهم كافة.
  7. أما ضعف وهشاشة الوضع النقابي العمالي والمهني وتمثيله على مستوى الوطن، فان المطلوب من الأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية التي تناصر حقوق الطبقات الشعبية وتتبناها أن تتخذ مواقف حاسمة وجديّة في هذا المجال.

وعليه فإننا ندعو إلى توسيع قاعدة الحراك الوطني  للضمان الاجتماعي العادل ليشكل حركة اجتماعية ديمقراطية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بحيث تكون حركة ذات مهمات دائمة وغير مقتصرة على ردات فعل حول الأحداث، إن أمامنا قضايا حقوقية كثيرة تتطلب نضالاً حقيقياً للتصدي لها كالتعليم والتعليم العالي والحقوق الصحيّة، وحقوق المزارعين والمعلمين وكثير من القضايا التي تتطلب رفعها في وجه السياسات السوقية المنفلتة للحكومة، وأمام جشع الرأسمالية الريعية الفلسطينية لمنع مزيدٍ من تدهور الطبقات الشعبية والحد من الإثراء الفاحش على حساب الفقراء والذي هو بعينه أساس الفساد.