بنية التفكير في نظام التعليم الفلسطيني

المرفقات: 
كلمات مفتاحية: 

ملخص الدراسة

ناجح شاهين

تأتي هذه الدراسة استمراراً لهذا المشروع البحثي لمركز بيسان للبحوث والإنماء، والمتصل بقراءة "بنية التفكير في التعليم الفلسطيني" بكل ما يحيط بهذه البنية، ويؤثر فيها، ويشكل لبنة في تكوينها من النواحي الاجتماعية والإيبستمولوجية والأيديولوجية والبيداغوجية. وقد مهدنا لهذا المشروع في الدراسة الأولى (صدرت في نيسان 2014) بدراسة نظرية ومراجعة شاملة وموجزة للأدبيات المرتبطة بالتعليم في علاقته بالتفكير. أما الدراسة الحالية فتأتي في سياق البحث في جانب مهم من التعليم هو الكتاب المقرر الذي يعد دوره مركزياً في العملية التعليمية-التعلمية. وقد اكتفينا بسبب ضغط الوقت وشح الموارد بتقديم نموذج واحد هو كتاب التاريخ للصف العاشر الذي يبدو –من خلال اطلاعنا على كتب المراحل الأخرى- عينة ممثلة بالفعل لكتب التاريخ الفلسطينية المقررة. ولكننا بالطبع لا نزعم أن ما ينطبق على كتاب التاريخ، من ناحية ما تم استخلاصه من سمات وخصائص، ينطبق حرفياً على الكتب المقررة في المواضيع الأخرى. وقد جاء بحثنا هذا من حيث بنيته التنظيمية في جزئين: أولهما مقدمة نظرية حاولت أن تغطي الأسس المتصلة بالتأريخ، وخصائص الكتابة التاريخية في مستوى العمل الاحترافي للمؤرخ مثلما في مستوى كتابة الكتب المقررة لطلبة المدرسة. أما الجزء الثاني من الدراسة فقد جاء بوصفه دراسة حالة اختير فيها مقرر الصف العاشر ليكون حقلاً لتطبيق المبادئ والنتائج المتحصلة من الدارسة الأولى المتصلة ببنية التفكير في التعليم عموماً إضافة إلى التأسيس النظري للتاريخ خصوصاً. فيما عدا ذلك، اتبع الجزء الثاني من الدراسة والمتعلق بتحليل مقرر العاشر التسلسل الموجود في الكتاب المقرر المقسم إلى وحدات، وتابع الباحث الوحدات وحدة وحدة معالجاً النص معالجة تحليلية تركز على عناصر بنية التفكير التي هي الغاية الأساس من هذه الدراسة، دون أن تستثني المحتوى الفكري و "الأيديولوجي" للكتاب.

بالنسبة للجزء الأول لا بد من القول إن الكتابة عن "كتابة" التاريخ شاقة بقدر، أو ربما، أكثر من كتابة التاريخ ذاته. هذا الماضي الذي مضى وانقضى وما عاد هناك من طريقة من أي نوع لكي نتحقق منه على نحو حاسم ونهائي. وهكذا يضطر كل جيل جديد أن يعود إلى كتابة التاريخ من جديد، حتى لو كان "القدماء" قد كتبوه بأنفسهم وهم يصنعون "تاريخهم" الخاص.

وهناك العديد من البدهيات في الكتابة التاريخية التي تغدو شاقة تماماً في مستوى التطبيق. ومن ذلك أن عناصر التفكير الناقد أساسية لعمل المؤرخ قبل أن تكون كذلك بالنسبة للكتاب المقرر والمدرس ومنهج التدريس عامة. لا بد من أجل الوصول إلى استنتاج أو جواب على مسألة تاريخية، من معالجة المعلومة عبر سيرورة طويلة تنطلق من معرفة بطبائع العمران -على حد تعبير ابن خلدون- وأسس السيرورة التاريخية، سواء تبنينا قواعد ماركس في أولية الاقتصاد في المجتمع، وبالتالي أولية الاقتصاد السياسي في فهم حركة التاريخ، أو تبنينا أية طرائق أخرى في التحليل. المهم أنه لا يمكن بدون "المفهمة" للمعطيات أن نصل إلى شيء. المعطيات بذاتها صماء ولا تقول شيئاً. وعمل المؤرخ هو الذي يحركها وينطقها معها. وهكذا لا بد من بناء المفاهيم، ومن تطبيقها في سياق معين، ولا بد من التحليل الذي يعني ببساطة ووضوح المعرفة العميقة بالأسباب وسياق الأسباب، بل ربما الأسباب التي ولدت هذه الأسباب. ذلك أننا لا نواجه هنا واقعة طبيعية بسيطة، وإنما واقعة بشرية معقدة قد يكون لها عوض السبب أسباب وأسباب، ومؤثر ومؤثرات، يمتد بعضها في سلاسل. بعد ذلك تجري عملية تركيب للمعطيات، ومن ثم تقييم وأحكام، ولا مناص مهما تظاهرنا بالموضوعية من أن يوجد موقف نظري معين ومنظور ورؤية. وفي كثير من الأحيان يوجد تصميم أيديولوجي يستند إلى مصالح معلنة أو مضمرة. وهذا التصميم موجود حتى لو لم يكن الكاتب واعياً بذلك، أو حتى لو لم يصرح بذلك. في دراستنا الراهنة على سبيل المثال نجد أن كتابنا المقرر لا يشير إلى إبادة سكان أمريكا، بينما يتحدث عن الثورة العظيمة التي استقلت الولايات المتحدة نتيجة لها. هل يوجد هنا موقف؟ بالطبع. وقد يقول قائل إن من وضع الكتاب لم تكن نيته كذلك. ولكن ما هم؟ المهم أن موقفاً قد ضمن داخل النص فحواه أن المستوطن الأبيض هو صاحب البلاد، وأنه قد قام بثورة بطولية تعد نموذجاً للمظلومين. أما الشعب المباد فالموقف منه على أقل تعديل هو الإنكار. ذلك أنه غير موجود بالنسبة للكتاب ومؤلفه. عندما أخبرت عدداً من أصدقائي من سكان البلاد الأصليين في الولايات المتحدة عن ذلك لم يصدقوا الخبر، بل إن واحدة منهم طلبت مني أن أرسل لها صورة عن النص على الرغم من جهلها باللغة العربية.

في أساسيات الكتابة –وخصوصاً التاريخية منها- علينا أن نعرف كيف نحدد إجابات الأسئلة: ماذا؟ ومن؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ ولماذا؟ وهذا يعني أن علينا أن نبحث فيما يخص الكلمات الأربع الاستفهامية الأولى بكل دقة ممكنة عن الأدلة التي تسعف في إثبات دقة المعلومة على أكبر نحو ممكن، مدركين في الوقت نفسه أن الدقة الكاملة واليقين المطلق ممتنعان حكماً. مرة أخرى يوجد هنا خصوصية واستثناء، لأننا نتحدث عن زمن مضى وانقضى ودخل في عداد "الأموات" دون أن نغفل المشاكل الإيبستمولوجية الأخرى التي تعم أشكال المعرفة كافة. تخيلوا أنني أريد أن أعرف التفاصيل الكاملة لواقعة غرق شخص في مياه النهر الساعة الرابعة صباحاً. أستطيع أن أقوم بالتحقيقات المتاحة كلها، ولكن أسئلة كثيرة ستظل بدون أية فرصة لتصل حالة الجواب النهائي. مثلاً لماذا كان هذا الشخص في النهر في ذلك الوقت؟ هل كان ضجراً فذهب ليخفف من سأمه بمداعبة مياه النهر؟ هل ذهب إلى هناك بغرض الانتحار؟ هل استدرجه أحد إلى هناك ثم قام بإغراقه؟ هل حمله أشخاص أقوياء ثم ألقوا به في النهر؟ ثم المعلومات التي سنحصل عليها بخصوص هذا السؤال بالذات من الناس، هل هي اجتهادات؟ أم أقوال عابرة سمعوها من الغريق...أم..؟ لا بد أن هذه الأسئلة ستظل بدون إجابة. وهذا هو حالنا مع معظم الأسئلة التاريخية معظم الوقت إن لم يكن الوقت كله. ولكي ننقل الأمر إلى حيز التاريخ الفعلي وليس التمثيل الفردي كما في المثال السابق نورد "واقعة" كبرى معاصرة تتمثل في تحرك الجيش السوفييتي وانقلابه على غورباتشوف ويلتسين دفاعاً عن النظام. ما جاء بعد ذلك معروف: فقد تراجع الانقلابيون الذين كان يقودهم جنرال اسمه ينايف، وسيطر يلتسين بالذات على الدولة وصولاً إلى إعلان موت الاتحاد السوفييتي. بسبب ذلك ولد سؤال سيظل حياً إلى الأبد: "هل تحرك الجيش الأحمر فعلاً، أم أن ما حدث كان مسرحية أعدت من أجل تسريع تفكيك الاتحاد؟" إننا مهما فعلنا لن نصل إلى جواب نهائي لهذا السؤال. وحتى لو كشفت ملفات استخبارية فإنها لن تقود مثلما يعرف أي مبتدئ في السياسة أو التاريخ إلا إلى مزيد من البلبلة والنقاشات.

في الجزء الثاني من الدراسة قمنا بتحليل تفصيلي لطريقة عرض المحتوى، ومدى توافق ذلك مع غاية تدريب الطلبة على التفكير ومبادئه العامة من ناحية، مثلما أسس التفكير في التاريخ من ناحية أخرى. وقد توصلت الدراسة بشكل موجز إلى القناعات التالية فيما يخص الممارسات التي تميز الكتاب المقرر.

أولاً: في مجال الموقف الأيديولوجي الصريح والضمني في نص الكتاب المقرر، يمكن ملاحظة ما يلي:

  1. الموقف الأيديولوجي للكتاب المقرر منحاز للمستعمر الظالم في المستوى الكوني.
  2. هناك انحياز في المنحى ذاته للطبقة المسيطرة مع إغفال واضح لرؤية الطبقات الشعبية المعارضة والتي تمثل الفكر النقيض للفكر المهيمن.
  3. هناك مركزانية أوروبية تسيطر على النص في منطلقاته واستباقاته النظرية والأيديولوجية.
  4. هناك رؤية تقليدية للأحداث تنبع من أيديولوجية هجين تولف بين بعض الموروث السائد ومفردات الفكر الليبرالي، وهذا في الواقع تعبير مكثف عن أيديولوجية الطبقة السائدة محلياً والتي تريد التماهي بالآخر دون أن تستطيع ذلك بسبب عجز بنيوي يتصل بولادتها في سياق تبعي للاستعمار العالمي.
  5. يمر الكتاب مرور الكرام على الوقائع الوطنية والقومية الهامة مما يؤدي إلى فشله في تعزيز قيم المواطنة المحلية أو القومية.

 

ثانياً: في مضمار بنية التفكير لاحظنا الظواهر الأساس التالية:

  1. يبدو أن الكتاب المقرر يضع نصب عينيه مهمة واحدة ووحيدة هي مهمة "الإخبار" التي تتجلى في كل سطر من أسطره.
  2. يجهل الكتاب المقرر طبيعة الكتابة التاريخية، وتخفى عليه الصعوبات الجمة التي تكتنف عمل المؤرخ.
  3. تغيب عملية التفسير التاريخي، وتغيب عملية التعمق مثلما تغيب الرؤية النظرية التي تعد ضرورية للقيام بالتفسير.
  4. غياب طرائق المحاكمة التاريخية المستندة إلى منهج علمي. وهنا نذكر على الأقل طبائع العمران الخلدونية.
  5. تغيب أسس الحجاج المنطقي، وطرائق الاستدلال بشكل كامل.
  6. لا وجود لوعي من أي نوع بالأغاليط المنطقية التاريخية.
  7. يفتقر النص إلى أية ممارسة تعتمد قياس المقارنة التاريخية الجوهري والضروري لعمل المؤرخ.
  8. يغيب عن الكتاب أية لمحة تستدعي الطابع الملغز والمربك والإشكالي للتاريخ.
  9. لا يوجد، ارتباطاً بما سبق، أية ممارسة تعزز فكرة الاختلاف وتقبل الآراء المتباينة، والتعايش معها.
  10. يفتقر النص إلى الوعي بأهمية تنمية التفكير في صلتها بتنمية المواطنة.
  11. يعتمد النص طريقة واحدة في تقديم الوقائع التاريخية هي سرد المصادرات التي لا يدعمها دليل من الآثار ولا من المنطق.
  12. في الاتجاه ذاته لا يلجأ الكتاب إلى أية مصادر أولية أو حتى مراجع أساسية.
  13. ضعف اللغة التي لا محل للفكر بدونها. وهذا الضعف يبدأ بنقص الدقة والوضوح، واختلاط المفاهيم، ويصل إلى مستوى تردي بناء الجملة، وعدم سلامة التركيب النحوي من بين أمور أخرى.
  14. يصل الخلط المفهومي المشار إليه أعلاه إلى مستوى وضع حرب التحرر الوطني، والثورة الاجتماعية، والحرب الأهلية كلها في خانة واحدة وهو ما لاحظناه في حينه في هذه الدراسة.
  15. يقوم الكتاب بحشد الوقائع التاريخية كيفما اتفق، ودون أن يراعي الصلة الدلالية بينها. وقد يكون سبب ذلك اعتماد الكتاب على الاقتباس من هنا وهناك دون أن يكون هناك خطة وتصميم للمعنى والدلالة.
  16. يتظاهر الكتاب بمراعاة عملية التفكير لأنه في الأنشطة يطلب ذلك طوال الوقت. وهذا أمر لا بأس به لأنه يشي بأن هناك إدراكاً لأهمية هذه العملية. غير أن هذا يعني أن الكتاب يفشل في تنفيذ العملية على الرغم من رغبته في إنجازها، أو أنه يتعمد خداع القارئ بإيهامه أنه قد نفذ عملية تعليمية تراعي التدريب على مهارات التفكير.
  17. يقرر الكتاب الوقائع بطريقة وثوقية لا مكان لفكرة الشك فيها.
  18. يجهل الكتاب معنى قانون السببية، ويقع، في الممارسة على الأقل، في وهم أن السابق هو سبب اللاحق.
  19. ارتباطاً بما سبق لا يميز النص في بعض الأحيان بين الأحداث والنتائج، وقد رأينا مثالاً صارخاً على ذلك في سياق نتائج الحرب العالمية الأولى حيث تذكر وقائع الحرب على أنها نتائج لها.
  20. يعتمد الكتاب وجهة نظر الشخص عن نفسه (مثل الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات الدولية) بوصفها مقياساً للحقيقة.

  الغريب أن الكتاب المقرر في مقدمته يقول شيئاً مختلفاً: "لقد ركزنا في هذا الكتاب على إبراز دور الطالب الفاعل في العملية التعليمية التعلمية، وإسهامه ومشاركته في تحقيق الأهداف المتوقعة من تدريسه، من خلال تنمية ملكة التأمل والتفكير الإبداعي، والمقارنة بين الأحداث، وربطها بواقع الطالب وبيئته قدر المستطاع، حتى تتاح له الفرصة الكافية لفهم ما يدور حوله، وتركنا له فرصة القيام بتنفيذ أنشطة مرافقة تهدف إلى تنمية شخصيته وتفكيره، وتعزز قدرته على البحث والكتابة والحصول على المعلومات من مصادرها."

لأسفنا الشديد أن السمات المذكورة أعلاه التي ترصد جوانب عمليات التفكير في النص المقرر لا تنسجم مع هذا القول. ربما أن نوايا الكتاب كانت تتجه نحو ذلك الهدف، ولكن العمل الناجز بين أيدينا يشير بوضوح كاف إلى ما يشبه غياب ممارسات التفكير بشكل شبه كامل، مع الاكتفاء بالإخبار الموجز والسريع الذي لا يفيد إلا في التدريب على مهارة حفظ المعلومات دون أي معالجة عقلية لها.